المبادرة إلى صوم شهرين في كفارة القتل الخطأ

المبادرة إلى صوم شهرين في كفارة القتل الخطأ 02/01/2015 في العقوبات, قـسـم الـمـقـــالات يقول السائل:ذكرتم في حلقةٍ سابقةٍ من “يسألونك” وجوبَ الكفارة في القتل خطأً,وأنه يلزم صيام شهرين متتابعين، فهل هذا الصوم يجب حالاً أم يجوز تأخيره إلى وقت الشتاء حيث يقصر النهار،أفيدونا؟ الجواب: أولاً: اتفق الفقهاء على أن من قتل خطأً فعليه الدِّية والكفارة،لقوله تعالى: {وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا،فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ، وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا} سورة النساء الآية 92 فقد بينت الآية الكريمة أن الواجب في القتل الخطأ الدِّية والكفارة،وهي عتق رقبةٍ مؤمنةٍ،وبما أنه يتعذر في زماننا عتق رقبةٍ فعلى القاتل خطأً صيامُ شهرين متتابعين. ثانياً: اختلف أهل العلم هل الكفارة واجبة على الفور أم على التراخي؟وخلافهم هذا مترتبٌ على خلاف الأصوليين في دلالة الأمر،هل هي على الفور أم على التراخي؟ وأبين أولاً المقصود بالفورية والتراخي,فالمقصود بقولهم الأمر المطلق يفيد الفور،هو أن على المكلف المبادرة إلى الفعل بدون تأخير،عند سماع التكليف مع وجود الإمكان،فإن تأخر ولم يبادر كان مؤاخذاً في ذلك.والمقصود من إفادته التراخي أن المكلف ليس عليه أن يبادر إلى أداء المكلف به،فهو مخيرٌ إن شاء أداه عقب سماع التكليف،وإن شاء أخره إلى وقتٍ آخر مع ظنه القدرة على أدائه في ذلك الوقت،فطلب الفعل غير متعلق بزمانٍ معينٍ.وليس المقصود بالتراخي أن يفعله في أحد أزمنة المستقبل،ولا يحق له أن يؤديه على الفور.انظر أثر الاختلاف في القواعد الأصولية ص323. وتعبير بعض الأصوليين بأن الأمر المطلق للتراخي،فيه نوعٌ من التسامح في العبارة،إذ لم يقل أحدٌ إن الأمر المطلق يجب التريث فيه وعدم المبادرة إلى امتثاله،وإنما خلافهم في أنه هل يجوز التراخي فيه؟ أما المبادرة فلا يختلفون في جوازها وفضلها.انظر أصول الفقه الذي لا يسع الفقيه جهلُه1/160. ثالثاً: إذا تقرر ما سبق فقد اختلف الأصوليون في دلالة الأمر،هل هي على الفور أم على التراخي؟على أقوالٍ ثلاثةٍ، أولها:الأمر المطلق يقتضي الفور،وهذا قول المالكية والحنابلة والظاهرية وهو قول الكرخي من الحنفية، قال الشيخ ابن حزم الظاهري:[فصل في الأوامر،أعلى الفور هي أم على التراخي؟قال القائلون:إن الأوامر على التراخي،وقال آخرون: فرضُ الأوامر البِدار إلا ما أباح التراخي فيها نصٌ آخر أو إجماعٌ.قال علي- ابن حزم -: وهذا هو الذي لا يجوز غيره، لقول الله تعالى: {وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} وقال تعالى: {وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُواْ الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُواْ يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} وقد قدمنا أن أوامر الله تعالى على الوجوب،فإذا أمرنا تعالى بالاستباق إلى الخيرات،والمسارعة إلى ما يوجب المغفرة،فقد ثبت وجوب البدار إلى ما أمرنا به ساعة ورود الأمر دون تأخر ولا تردد] المحلى3/307. ثانيها:يدل الأمر المطلق على التراخي،فيجوز تأخير فعل المأمور به عن أول وقت الإمكان،وهو القول الصحيح عند الحنفية، قال الإمام السرخسي:[الذي يصح عندي فيه من مذهب علمائنا رحمهم الله أنه على التراخي،فلا يثبت حكم وجوب الأداء على الفور بمطلق الأمر،نص عليه في الجامع فقال فيمن نذر أن يعتكف شهراً،يعتكف أي شهرٍ شاء،وكذلك لو نذر أن يصوم شهراً.] أصول السرخسي 1/26.

وهو مذهب كثيرٍ من الشافعية كالشيرازي والغزالي والآمدي وابن السمعاني والبيضاوي وغيرهم،وهو قول ابن الحاجب من المالكية. وقد نُسب هذا القول إلى الإمامين أبي حنيفة والشافعي،ولم يُنقل عنهما نصٌ في ذلك ولكن استنباطاً من فروعهما. وثالثها:التوقف في دلالة الأمر،فلا يدل على فوريةٍ ولا على تراخٍ حتى تأتي قرينة تُحدد المراد منه،وهو قول بعض الأصوليين كإمام الحرمين الجويني.والذي يظهر ترجيح القول بدلالة الأمر على الفورية ولا يخرج عن ذلك إلا بقرينة،مع أن من الفقهاء من اطَّرد قولُه في الفروع الفقهية مع ترجيحه الفورية،ومنهم من لم يطرد قولُه في الفروع الفقهية لأدلةٍ أخرى أو قرائن ظهرت له.انظر أصول الفقه الذي لا يسع الفقيه جهلُه1/162. ومما يدل على اقتضاء الأمر المطلق الفورية،ما ورد في حديث أبي سعيد بن المعلى رضي الله عنه قال: (مرَّ بي النبي صلى الله عليه وسلم وأنا أصلي فدعاني،فلم آته حتى صليت،ثم أتيت،فقال:ما منعك أن تأتي؟قلت:كنت أصلي،فقال:ألم يقل الله:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم} رواه البخاري. ويدل على الفورية أيضاً حديث أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج على أُبي بن كعب رضي الله عنه،فقال:(يا أُبي)وهو يصلي،فالتفت أُبيٌ فلم يجبه،وصلى أبيٌ فخفف،ثم انصرف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:السلام عليك يا رسول الله.فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:وعليك السلام،ما منعك أن تجيبني إذ دعوتك،فقال:يا رسول الله،إني كنت في الصلاة.قال:أفلم تجد فيما أُوحي إليَّ أن{اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم}قال:بلى.ولا أعود إن شاء الله) رواه الترمذي وقال:حسن صحيح،ورواه النسائي أبضاً،وقال النووي:إسناده حسنٌ على شرط مسلم. فعتاب النبي صلى الله عليه وسلم للصحابيين على تأخير إجابتهما،يدل على أن الأمر يقتضي الفورية. ويدل على فورية الأمر حديث أبي هريرة رضي الله عنه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً يسوق بدنةً،فقال:اركبها.فقال الرجل: إنها بدنة،فقال:اركبها.قال:إنها بدنة،قال:اركبها ويلك،في الثالثة أو في الثانية) رواه البخاري ومسلم. ومما يرجح الفورية في دلالة الأمر المطلق عن القرينة عمومُ النصوص الواردة في المبادرة إلى فعل الخيرات والطاعات كما في قوله تعالى: {وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} سورة آل عمران الآية133 وقوله تعالى: {فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} سورة المائدة الآية 48 ،وغير ذلك من الأدلة. رابعاً: إذا اتضح لنا الأصل الذي بنيت عليه مسألة اختلاف العلماء في صوم الشهرين في كفارة القتل،هل تجب على الفور،أم يجوز تأخيرها،فمن الفقهاء من قال تجب الكفارة على الفور على المتعدي،أي في القتل العمد،وأما في القتل الخطأ فتجب على التراخي، قال الإمام النووي:[وأما الكفارة فإن كانت بغير عدوانٍ ككفارة القتل خطأً وكفارة اليمين في بعض الصور،فهى على التراخي بلا خلافٍ لأنه معذورٌ.وإن كان متعدياً فهل هي على الفور أم على التراخي؟فيه وجهان: حكاهما القفال والأصحاب ،أصحهما على الفور.] المجموع3/70. وقال فقهاء الحنابلة تجب كفارةُ القتل الخطأ على الفور،قال الشيخ محمد بن إبراهيم مفتي السعودية السابق:[كفارة القتل الخطأ تجب على الفور،فإن كان من وجب عليه الصيام ضعيفاً ضعفاً يمنعه من الصيام بحيث لا يتضرر به،فيبقى الصيام ثابتاً في ذمته،فمتى قدر عليه فعله،لعموم قوله تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} ولقوله تعالى: {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ}. وإن كان من وجب عليه كبيراً فإن الصيام يسقط عنه…ثم قال:إذا كان قادراً على الصيام في غير الوقت الذي وجب عليه فيه فهل يجوز له تأخيره إلى وقت الشتاء؟والجواب:إذا كان لا يستطيعه في وقتٍ ويستطيعه في وقتٍ آخر،فلا مانع من تأخيره إلى وقت الاستطاعة،لعموم قوله تعالى:{لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا}.وقوله تعالى:{وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ}]. وقال الشيخ عبد العزيز بن باز:[الأدلة الشرعية قد دلت على أن الأوامر على الفور إلا ما نصَّ الشرعُ على التوسيع فيه،وذلك أبلغ في الامتثال،وأبعد من خطر الترك أو النسيان]. والله الهادي إلى سواء السبيل

وسئل الشيخ العلامة ابن عثيمين:[من وجب عليه صيام كفارة،وأحب أن يؤخره إلى الشتاء فما الحكم لو مات قبل ذلك؟فأجاب:إن الإنسان إذا وجب عليه صيام كفارة وجب أن يبادر بذلك،لأن الواجبات على الفور،ولكن إذا كان يشق عليه أن يصوم الكفارة في أيام الصيف لطول النهار وشدة الحر فلا حرج عليه أن يؤجل ذلك إلى وقت البرد،وإذا توفي قبل ذلك فليس عليه إثمٌ،لأنه أخره لعذر،لكن يصوم عنه وليه،فإن لم يصم عنه أحد أُطعم من تركته عن كل يوم مسكين]. أنظر أسلام سؤال وجواب وخلاصة الأمر أن من قتل خطأً فعليه الدِّية المخففة والكفارة،وهي عتق رقبةٍ مؤمنةٍ،وبما أنه يتعذر في زماننا عتقُ رقبةٍ فعلى القاتل خطأً صيامُ شهرين متتابعين.وأن الأصوليين قد اختلفوا في دلالة الأمر،هل هي على الفور أم على التراخي؟فمنهم من قال على الفور،ومنهم من قال على التراخي،ومنهم من توقف في ذلك.وأن هذا الخلاف هو الأصل الذي تُخرَّج عليه المسألة محل السؤال،وأن القول الراجح هو دلالة الأمر على الفورية ولا يُخرج عن ذلك إلا بقرينة، وأن الذي يظهر لي أن كفارة القتل خطأً واجبةٌ على التراخي فيجوز تأخيرها لأيام الشتاء نظراً ليسر الصيام فيها.مع أن الأفضل هو المبادرة لصيامها لعموم الأدلة الدالة على المبادرة في فعل الطاعات.

التأمين العائلي الإسلامي أو التكافلي أو التعاوني هو البديل الشرعي للتأمين على الحياة المحرم شرعاً 09/01/2015 في قـسـم الـمـقـــالات يقول السائل:ما قولكم في التأمين العائلي التكافلي، وهل يقوم مقام التأمين على الحياة المعروف لدى شركات التأمين التجارية،أفيدونا؟ الجواب: أولاً: عقد التأمين على الحياة التجاري أو التقليدي ، هو عقد معاوضة، يلتزم فيه المؤمن – شركة التأمين التجاري- بأن يدفع للمستأمن أو إلى المستفيد الذي يُعينه المستأمن مبلغاً متفقاً عليه مسبقاً ، عند وقوع الوفاة ، أو عند بلوغ المستأمن سناً معينة ، أو غير ذلك ، وذلك مقابل أقساطٍ دوريةٍ يدفعها المسـتأمن. والتأمين التجاري التقليدي، عقدُ معاوضةٍ ماليةٍ هدفهُ الربحُ من أقساط التأمين ، وتُطبق عليه أحكام المعاوضات المالية التي يُؤثر فيها الغرر. وحكمُ التأمين التقليدي أنه عقدٌ باطلٌ ومحرمٌ شرعاً بكافة أشكاله، لاشتماله على الغرر المفسد للعقد، ولاشتماله على الربا وعلى المقامرة، ولاشتماله على شروطٍ باطلةٍ، وهو محرمٌ شرعاً عند أكثر العلماء المعاصرين، وصدرت قراراتٌ شرعيةٌ بتحريمه عن المجمع الفقهي الإسلامي الدولي التابع لمنظمة التعاون الإسلامي، وعن هيئة كبار العلماء السعودية، وعن مجمع الفقه الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي وغيرها.والغرر هو المجهول العاقبة أي ما خفيت عاقبته، وطُويت مغبته، وانطوى أمرُهُ، والغررُ منهيٌ عنه شرعاً، لما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: (نهى رسولُ الله صلى عليه وسلم عن بيع الغرر ) رواه مسلم. قال الباجي المالكي:[ نهيه صلّى اله عليه وسلّم عن بيع الغرر يقتضي فسادَه، ومعنى بيع الغرر – واله أعلم – ما كثرُ فيه الغرر، وغلب عليه حتى صار البيع يُوصف ببيع الغرر، فهذا الذي لا خلاف في المنع منه ] المنتقى5/41. ولا شك أن البديل عن التأمين التجاري هو التأمين الإسلامي أو التكافلي أو التعاوني ، لموافقته لأحكام الشرع ، وهذا ما اتفق عليه علماء العصر ، وأقرته الهيئاتُ العلمية المعتبرة ، والمجامع الفقهية ، وهيئات الرقابة الشرعية في شركات التأمين الإسلامي ، وغيرها، ومن ذلك قرار مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنبثق عن منظمة التعاون الإسلامي سنة 1406هـ/1985م وجاء فيه ما يلي:[ (1) إن عقد التأمين التجاري ذا القسط الثابت الذي تتعامل به شركات التأمين التجاري، عقدٌ فيه غررٌ كبيرٌ مفسدٌ للعقد، ولذا فهو حرامٌ شرعاً. (2) إن العقد البديل الذي يحترم أصول التعامل الإسلامي هو عقدُ التأمين التعاوني القائم على أساس التبرع والتعاون، وكذلك الحال بالنسبة لإعادة التأمين القائم على أساس التأمين التعاوني. (3) دعوة الدول الإسلامية للعمل على إقامة مؤسسات التأمين التعاوني وكذلك مؤسسات تعاونية لإعادة التأمين، حتى يتحرر الاقتصاد الإسلامي من الاستغلال، ومن مخالفة النظام الذي يرضاه الله لهذه الأمة] مجلة المجمع عدد2، ج2/731. وينبغي أن يُعلم أن التأمين على الحياة، هو جزءٌ من التأمين التجاري، وله صورٌ عديدةٌ وفق ما تتعامل به شركات التأمين التجاري،وقد اتفق العلماء والجهات العلمية التي سبق ذكرها على تحريمه ما دام أن الجهات المنظمة له هي شركات التأمين التجاري. ثانياً: التأمين الإسلامي هو اتفاق أشخاصٍ يتعرضون لأخطارٍ معينةٍ على تلافي الأضرار الناشئة عن هذه الأخطار، وذلك بدفع اشتراكاتٍ على أساس الالتزام بالتبرع، ويتكون من ذلك صندوقُ تأمينٍ له حكم الشخصية الاعتبارية، وله ذمةٌ ماليةٌ مستقلةٌ، صندوقٌ يتم منه التعويض عن الأضرار التي تلحق أحدَ المشتركين من جراء وقوع الأخطار المؤَمَّن منها، وذلك طبقاً للوائح والوثائق. ويتولى إدارة هذا الصندوق هيئةٌ مختارةٌ من حملة الوثائق، أو تديره شركةٌ مساهمةٌ بأجرٍ تقوم بإدارة أعمال التأمين واستثمار موجودات الصندوق.وأما التأمين التقليدي فهو عقدُ معاوضةٍ ماليةٍ يستهدف الربح من التأمين نفسه، وتطبق عليه أحكام المعاوضات المالية التي يؤثر فيها الغرر. كتاب المعايير الشرعية الصادرة عن هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية ص 436. ثالثاً: حكم التأمين الإسلامي أو التكافلي أو التعاوني هو الجواز وفقاً للضوابط الشرعية، وقد أفتى بجوازه عددٌ كبيرٌ من علماء العصر ، وعددٌ من المجامع الفقهية ،والهيئاتُ العلميةُ الشرعيةُ، كالمجمع الفقهي التابع لمنظمة التعاون الإسلامي، والمجمع الفقهي التابع لرابطة العالم الإسلامي، وهيئة كبار العلماء في السعودية، والمؤتمر الأول للاقتصاد الإسلامي المنعقد في مكة المكرمة سنة 1396هـ، والمجلس الأوربي للإفتاء والبحوث وغيرها. [والتكييف الفقهي للتأمين الإسلامي يقوم على أساس الالتزام بالتبرع من المشتركين لمصلحتهم، وحماية مجموعهم، بدفع اشتراكاتٍ يتكون منها صندوق التأمين، الذي تديره هيئة مختارة من حملة الوثائق، أو تديره الشركة المساهمة المرخص لها بممارسة خدمات التأمين، على أساس الوكالة بأجر، وتقوم الهيئة المختارة من حملة الوثائق أو الشركة باستثمار موجودات التأمين على أساس المضاربة أو الوكالة بالاستثمار. وتختصُ الشركة المساهمة المديرة للتأمين برأس مالها وعوائده، والأجر الذي تأخذه عن الوكالة، ونسبتها المحددة من الربح المحقق عن استثمار موجودات التأمين على أساس المضاربة، أو الأجر المحدد على أساس الوكالة بالاستثمار، وتتحمل الشركة جميع مصروفاتها الخاصة بأعمالها، ومن تلك المصروفات مصروفات استثمار موجودات التأمين. ويختصُ صندوقُ حملة الوثائق بالاشتراكات وعوائدها، وما يتمُّ تكوينُه من مخصصاتٍ واحتياطاتٍ متعلقةٍ بالتأمين وبالفائض التأميني، ويتحملون جميع المصروفات المباشرة المتعلقة بإدارة عمليات التأمين. وفي التأمين الإسلامي ثلاثُ علاقاتٍ تعاقدية: (أ) علاقة المشاركة بين المساهمين التي تتكون بها الشركة من خلال النظام الأساسي وما يتصل به، وهي عقدُ المشاركة إذا كانت تديره الشركة. (ب) العلاقة بين الشركة وبين صندوق حملة الوثائق، وهي علاقة الوكالة من حيث الإدارة، أما من حيث الاستثمار فهي علاقة مضاربة، أو وكالة بالاستثمار. (ج) العلاقة بين حملة الوثائق وبين الصندوق عند الاشتراك، هي علاقة التزام بالتبرع ، والعلاقة بين المستفيد وبين الصندوق عند التعويض ، هي علاقة التزام الصندوق بتغطية الضرر حسب الوثائق واللوائح. ويقوم التأمين الإسلامي على المبادئ والأسس الشرعية الآتية التي يجب أن يُنَص عليها في النظام الأساسي للشركة، أو في اللوائح، أو في الوثائق: (1) الالتزام بالتبرع: حيث يُنص على أن المشترك يتبرع بالاشتراك وعوائده لحساب التأمين لدفع التعويضات ، وقد يلتزم بتحمل ما قد يقع من عجزٍ حسب اللوائح المعتمدة. (2) قيامُ الشركة المنظمة للتأمين بإنشاء حسابين منفصلين ، أحدهما خاصٌ بالشركة نفسها: حقوقها والتزاماتها، والآخر خاصٌ بصندوق (حملة الوثائق) حقوقهم والتزاماتهم. (3)الشركةُ وكيلةٌ في إدارة حساب التأمين، ومضاربةٌ أو وكيلةٌ في استثمار موجودات التأمين. (4)يختص حساب التأمين بموجودات التأمين وعوائد استثماراتها، كما أنه يتحمل التزاماتها. (5)يجوز أن تشتمل اللوائح المعتمدة على التصرف في الفائض بما فيه المصلحة حسب اللوائح المعتمدة مثل تكوين الاحتياطيات، أو تخفيض الاشتراكات، أو التبرع به لجهاتٍ خيرية، أو توزيعه أو جزءٍ منه على المشتركين ، على أن لا تستحق الشركة المديرة شيئاً من ذلك الفائض. (6)صرفُ جميع المخصصات المتعلقة بالتأمين، والفوائض المتراكمة في وجوه الخير عند تصفية الشركة. (7)أفضلية مشاركة حملة الوثائق في إدارة عمليات التأمين من خلال إيجاد صيغة قانونية مناسبة لممارسة حقهم في الرقابة، وحماية مصالحهم، مثل تمثيلهم في مجلس الإدارة. (8)التزام الشركة بأحكام ومبادئ الشريعة الإسلامية في كل أنشطتها واستثماراتها، وبخاصة عدم التأمين على المحرمات، أو على أغراض محرمة شرعاً. (9)تعيينُ هيئة رقابةٍ شرعيةٍ تكون فتاواها ملزمةً للشركة، ووجود إدارة رقابة وتدقيق شرعي داخلي] انظر المعايير الشرعية الصادرة عن هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية ص 436-437. خامساً: التأمين الإسلامي أو التكافلي أو التعاوني نوعان: أولهما: تأمينٌ على الأشياء من المخاطر والأضرار، كالتأمين ضد حوادث السيارات وضد السرقة والحريق وغيرها. وثانيهما:تأمينٌ على الأشخاص، ويُقصد به التأمين ضد الأخطار التي تصيب الفردَ أو الشخصَ أو تهدد حياته أو تهدد أمن أسرته أو عائلته، ومحل عقد التأمين فيه هو الشخص أو العائلة، وهو من العقود طويلة الأجل غالباً، ويهدف إلى مساعدة المشترك على الحصول على عائدٍ كبيرٍ في المستقبل، ويدخل في هذا النوع التأمينات الاجتماعية والتأمين التكافلي العائلي. والتأمينات الاجتماعية تفرضها الدولةُ غالباً وتشرفُ عليها لصالح العاملين داخل الدولة ضد أخطار معينة: كالموت، والهرم، والعجز عن العمل التي يتعرض لها العاملون، وليس هذا محل بحثه. وأما التأمين التكافلي العائلي فيقصدُ به تأمينُ الفرد أو العائلة من الأخطار التي تهدد حياته في جميع ما يتعلق بشئون حياته أو سلامة جسمه أو صحته أو شيخوخته ، وهذا النوع من التأمين لا يقوم على التعويض عن الضرر الفعلي كما هو الحال في التأمين على الأشياء ، لأنه يغطي الأضرار المعنوية المتوقعة، وهي غير محددةٍ ، ويحدث بعضُها في المستقبل. انظر التأمين التكافلي العائلي، د. محمود السرطاوي ويدخل تحته التأمين العائلي التكافلي،وهو البديل الشرعي للتأمين على الحياة التجاري ، وهو مشروعٌ حيث إنه يدخل تحت الأدلة العامة التي أجازت أصله ، وهو التأمين الإسلامي أو التكافلي أو التعاوني، وبيان ذلك فيما يلي: (1) يقوم التأمين الإسلامي أو التكافلي أو التعاوني على مبدأ التعاون والتكافل، وهو مبدأٌ شرعيٌ أصيلٌ قامت عليه عشراتُ الأدلة من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، كقوله تعالى: {وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} سورة المائدة الآية 2 وقال النبي صلّى الله عليه وسلم: ( إن الأشعريين إذا أرملوا في الغزو أو قلَّ طعام عيالهم بالمدينة جمعوا ما كان عندهم- في ثوبٍ واحدٍ ثم اقتسموه بينهم في إناءٍ واحد بالسوية، فهم مني وأنا منهم ) رواه البخاري ومسلم ومعنى أرملوا ، أي فنيَ طعامُهم أو قارب. وقال النبي صلّى الله عليه وسلم: ( المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه، ومن كان في عون أخيه كان الله في عونه إلى يوم القيامة، ومن فرَّج عن مسلمٍ كربةً فرَّج اللهُ عنه كربةً من كرب يوم القيامة ) رواه مسلم. وقال النبي صلّى الله عليه وسلم: ( مَثلُ المؤمنين في توادهم وتراحمهم ، كمثل الجسد الواحد ، إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائرُ الجسد بالسهر والحمى) رواه مسلم. وقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: ( المؤمنُ للمؤمن كالبنيان يشدُّ بعضُه بعضَاً ) رواه مسلم. وقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: ( واللهُ في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه ) رواه مسلم. وغير ذلك من النصوص. (2) إن التأمين الإسلامي أو التكافلي أو التعاوني من عقود التبرع التي يُقصد بها أصالةً التعاون على تفتيت الأخطار، فالأقساط المقدمة من حملة الوثائق في التأمين التعاوني تأخذ صفة التبرع، وهو تبرع يلزم بالقول على رأي الإمام مالك رحمه الله. وعلى هذا يكون العضو ملتزماً بدفع القسط بمجرد توقيعه على العقد، وبالتالي يكون الأعضاء متبرعين بالأقساط التي يدفعونها، وبعوائد استثمار هذه الأقساط، في حدود المبالغ اللازمة لدفع التعويضات عن الأضرار التي تصيب أحدهم. كما يتضمن التوقيعُ على وثيقة التأمين قَبولَ العضو للتبرع من مجموع أموال التأمين ، أي الأقساط وعوائدها الاستثمارية وفقاً لأحكام وثيقة التأمين والنظام الأساسي للشركة حسب أحكام الشريعة الإسلامية، والعضو لا يتبرع بالأقساط وعوائدها جملةً ، بل يتبرع منها بما يكفي لدفع التعويضات…ولا مانع أن يُحقق التأمين التعاوني أرباحاً من خلال استثمار الأرصدة المجتمعة لديه استثماراً مشروعاً، والممنوع هو أن تكون الغاية المعاوضة والاسترباح ، لا مجرد تحقيق الأرباح ] التأمين التعاوني الإسلامي، د. صالح بن حميد، عن الإنترنت. (3) تخلو عقود التأمين الإسلامي أو التكافلي أو التعاوني من الربا بنوعيه:ربا الفضل وربا النسيئة، فعقود المساهمين ليست ربويةً، ولا يُستغلُ ما جُمع من الأقساط في معاملاتٍ ربويةٍ ، بل في معاملاتٍ جائزةٍ شرعاً، بل يجب أن يَنُص نظامُ شركات التأمين التكافلي على عدم التعامل بالربا . التأمين الإسلامي د. علي القرة داغي، ص 210. (4) التأمين الإسلامي أو التكافلي أو التعاوني يعتمد على أقساط التأمين المحصلة، وعلى استثمارها في أمورٍ مشروعةٍ تخلو من الربا أو المعاملات المحرمة، ويتم دفع التعويضات من ذلك. كما أن شركة التأمين الإسلامي لا تتملك أقساط التأمين ، وإنما تكون ملكاً لحساب التأمين وهو حقٌ للمشتركين، وتقوم شركة التأمين الإسلامي بإدارة الحساب نيابة عنهم. (5) الفائضُ في التأمين الإسلامي أو التكافلي أو التعاوني، يعود إلى مجموع المؤمنين ، ولا يعود إلى شركة التأمين، ولكن شركة التأمين الإسلامي تأخذ حصةً من الفائض ، إما باعتبارها وكيلةً بأجرٍ أو باعتبارها مضارباً. (6) تحتفظ شركة التأمين الإسلامي أو التكافلي أو التعاوني بحسابين منفصلين، أحدُهما لاستثمار رأس المال، والآخر لحسابات أموال التأمين. (7) شركات التأمين الإسلامي أو التكافلي أو التعاوني هي شركاتُ خدماتٍ، أي أنها تدير عمليات التأمين وتستثمر أمواله نيابةً عن هيئة المشتركين، وعلاقة الشركة بهيئة المشتركين علاقةُ معاوضةٍ، فهي الأمينة على أموال التأمين، وتقوم بالإدارة نيابة عن هيئة المشتركين، والعوض الذي تأخذه الشركة مبلغٌ مقطوعٌ، أو نسبةٌ من الأقساط التي تجمعها، أو التعويضات التي تدفعها باعتبارها وكيلاً، أو نسبةٌ معلومةٌ من عائد الاستثمار باعتبارها مضارباً، أو هما معاً ] التأمين التعاوني الإسلامي د. صالح بن حميد. (8) تخضع جميع أعمال شركة التأمين الإسلامي أو التكافلي أو التعاوني للتدقيق من هيئة رقابةٍ شرعيةٍ للنظر في مدى توافقها مع الأحكام الشرعية. وأما بخصوص التأمين العائلي التكافلي البديل الشرعي للتأمين على الحياة التجاري ، فقد ناقشته عدةُ هيئاتٍ علميةٍ شرعيةٍ، وأقرت العملَ به وفق ضوابط شرعية ، ومن ذلك ما صدر عن الندوة الفقهية الثالثة لبيت التمويل الكويتي سنة 1413هـ 1993م حيث ناقشت حكم التأمين على الحياة وأساس الفكرة ونحوهما وصدرت منها بعض الفتاوى والتوصيات المهمة ومنها: [ التأمين على الحياة : إن التأمين على الحياة بصورته التقليدية القائمة على المعاوضة بين الأقساط والمبالغ المستحدثة عند وقوع الخطر أو المستردة مع فوائدها عند عدم وقوعه هو من المعاملات الممنوعة شرعاً ، لاشتماله على الغرر الكثير والربا والجهالة . لا مانع شرعاً من التأمين على الحياة إذا أقيم على أساس التأمين التعاوني ( التكافل ) وذلك من خلال التزام المتبرع بأقساطٍ غير مرتجعة وتنظيم تغطية الأخطار التي تقع على المشتركين من الصندوق المخصص لهذا الغرض ، وهو ما يتناوله عموم الأدلة الشرعية التي تحض على التعاون وعلى البر والتقوى وإغاثة الملهوف ورعاية حقوق المسلمين. والمبدأ الذي يقوم عليه لا يتعارض معه نصوص الشريعة وقواعدها العامة.] ومن ذلك أيضاً ما ورد في المعيار الشرعي رقم (26) المتعلق بالتأمين الإسلامي الصادر عن هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية حيث وضع له ضوابط شرعية معينة.انظر كتاب المعايير الشرعية الصادرة عن هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية ص 436. وللتأمين العائلي التكافلي البديل الشرعي للتأمين على الحياة التجاري عدة صورٍ منها : (1) التأمين العُمْري لصالح الورثة جميعاً،بدفع رواتب شهرية وسنوية لهم ما داموا أحياء بعد موت دافع الأقساط . (2) التأمين لصالح الورثة جميعاً ، بدفع رواتب لهم لمدة معينة كعشر سنوات – إن عاشوا – بعد موت دافع الأقساط. (3) التأمين لصالح الورثة جميعاً، بدفع المحدد المتفق عليه مرةً واحدةً بعد موت دافع الأقساط . (4) التأمين لصالح أحد الورثة – مع مبرر مشروع للتخصيص- بدفع رواتب له ما دام حياً بعد موت دافع الأقساط . (5) التأمين لصالح أحد الورثة بدفع رواتب له لمدة محددة كعشر سنوات إن عاش بعد موت دافع الأقساط هذه المدة أو بقدرها. (6) التأمين لصالح أحد الورثة بدفع مبلغ التأمين إليه مرةً واحدةً بعد موت دافع الأقساط . (7) التأمين لصالح الأجنبي بدفع رواتب له مدة حياته بعد موت دافع الأقساط . (8) التأمين لصالح الأجنبي -غير الوارث- بدفع رواتب له لمدة عشر سنوات مثلاً إن عاش بعد موت دافع الأقساط . (9)التأمين لصالح الأجنبي -غير الوارث- بدفع مبلغ التأمين المتفق عليه إليه مرةً واحدةً بعد موت دافع الأقساط مباشرةً إن كان حياً. ] سادساً: [ هنالك بعض أوجه الاختلاف بين التأمين التكافلي العائلي والتأمين التعاوني أو التكافلي على الأشياء كالتأمين على السيارات مثلاً وهي: 1- التعويض في التأمين على الأشياء يكون عن الضرر الفعلي، ومن المعلوم أن تعويض الضرر يكون بإيجاب المثل، فإن تعذر المثلُ فيكون تعويضه بالقيمة، وهذا يمكن تطبيقه على التأمين التعاوني على الأشياء، حيث يمكن معرفة الضرر الفعلي الذي وقع على الأشياء محل التأمين ويمكن تعويضه بالمثل أو القيمة، في حين أن الضرر الناتج عن فقد النفس أو تلف العضو أو العجز الكلي أو العجز الجزئي يتعذر تعويضه بالمثل أو بالقيمة. 2- إن الضرر في التأمين التعاوني أو التكافلي على الأشياء هو ضررٌ ماديٌ يمكن ملاحظته وتقديره ، وأما الضررُ في التأمين التكافلي العائلي فهو ضررٌ معنوي يتعذر تقديره. 3- إن الضرر في التأمين التعاوني أو التكافلي على الأشياء يخضع للإثبات، ويشترط لاستحقاق التعويض فيه إثباته بكافة وسائل الإثبات، وأما الضرر في التأمين التكافلي العائلي – التأمين على الأشخاص – لا يخضع للإثبات، فهو مفترضٌ افتراضاً، ولا يقبل إثبات العكس، فورثة المشترك أو من نُصَّ عليهم في وثيقة التأمين يستحقون مبلغ التأمين دون حاجةٍ إلى إثبات أن ضرراً ما قد أصابهم من جراء موت المشترك بالتأمين. 4- إن مبلغ التأمين في التأمين التكافلي العائلي – التأمين على الأشخاص – يُدفع لهم معونةً وجبراً لمن أصيبوا بموت عائلهم، أو لإغاثة من أصيب بعجزٍ كلي أو عجزٍ جزئي ، وليس على سبيل التعويض عن ضررٍ كما سبق بيان ذلك، ولهذا يسمي بعض العلماء التأمين التكافلي العائلي – عقد المواساة -. فعقد التأمين التكافلي العائلي – المواساة – لا يُقصد منه الكسب أو الاسترباح، وإنما يُقصد به ترميم آثار مصيبة الموت أو عجزٍ على أساسٍ من التعاون والتكافل، فالحياةُ بيد واهبها ، وعليه فإن مستحق التأمين –المستفيد – ليس له طلبُ زيادة المبلغ ، حتى لو أثبت أن الضررَ الذي أصابه أكبرُ من مبلغ التأمين، وهذا يعني أن التأمين في هذا العقد ليس له صفة تعويضية، بخلاف التأمين على الأشياء ، فإن صفته الأساسية هي التعويض وليس الجبر والمواساة. 5- إن الأقساط المحددة في وثيقة التأمين التكافلي العائلي يمكن إسقاطُها أو التنازلُ عنها أو قيامُ هيئة المشتركين بدفعها نيابةً عن المشترك في حالاتٍ خاصةٍ يُنص عليها في نظام التأمين أو وثيقة التأمين، كحالات الموت أو العجز أو المرض وبلوغ سن معينة أو تحمل أعباء غير عادية. أما أقساط التأمين التعاوني أو التكافلي على الأشياء فهي مستحقة وفق العقد. 6- إن مما هو مقررٌ ومتفقٌ عليه عند العلماء القائلين بالتأمين التكافلي العائلي أن قسط التأمين هو تبرعٌ محضٌ، وعليه فإنه لا يرجع على المشترك فيه أيُ عائدٍ من الفائض التأميني،بينما يُوزع الفائض التأميني في التأمين التعاوني على الأشياء على المشتركين] انظر التأمين التكافلي العائلي، د. محمود السرطاوي سابعاَ: يظن بعضُ الناس أن فكرة التأمين على الحياة تصادمُ عقيدةَ القضاء والقدر، وتصادمُ عقيدةَ التوكل على الله عز وجل ، وهذا الظنُّ غيرُ صحيحٍ، قال د. علي القره داغي: [ هل يصطدم التأمين على الحياة مع العقيدة ؟ ونحن هنا نتحدث بإيجازٍ شديدٍ عن أصل فكرة التأمين على الحياة ، وأنه لا يصطدم مع العقيدة أو التوكل على الله ، لأنه من الطبيعي بل من الفطرة السليمة أن يبحث الإنسان بعد التوكل على الله تعالى عن مستقبل أولاده وورثته ويسعى جاهداً في أن يتركهم أغنياء متعففين لا فقراء متسولين ، وفي الأخذ بكل الأسباب التي توفر الحماية لهم من شرور العوز والفاقة والحاجة. وهذا ما أرشد إليه رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم حينما طلب منه سعد بن أبي وقاص الموافقة على أن يتبرع بجميع أمواله ، فلم يقبل حتى وصل إلى الثلث فقال: ( الثلثُ، والثلثُ كثيرٌ، إنك أَن تدع ورثتك أغنياء خيرٌ من أن تدعهم عالةً يتكففون الناس ما في أيديهم ) رواه البخاري ومسلم. وكذلك تفكير الخليفة الراشد عمر رضي الله عنه في الأجيال اللاحقة وتضمين مستقبلهم من خلال ترتيب موردٍ ماليٍ مستمرٍ، حيث لم يقسم الأراضي المفتوحة في العراق والشام على المجاهدين ، وإنما أبقاها في أيدي أهلها ، ولكنه فرض عليهم خراجاً ليكون مصدراً دائماً لدخل بيت مال المسلمين وقد اعتمد في ذلك على قول الله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ} سورة الحشر الآية 10 حيث جاءت هذه الآية بعد قوله تعالى:{وَمَا أَفَاء اللَّهُ…}سورة الحشر الآية 6 حيث قسم الله تعالى الفيءَ على المهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وقد قال عمر رضي الله عنه: ( والله لا يُفتح بعدي بلدٌ فيكون فيه كبيرُ نَيلٍ، بل عسى أن يكون كلاًّ على المسلمين فإذا قسمت أرض العراق بعلوجها وأرض الشام ، فما يُسد به الثغور ؟ وما يكون للذرية والأرامل بهذا البلد وبغيره ) كتاب الخراج لأبي يوسف ص 24-25. إذن تبين لنا أن التفكير في مستقبل الأولاد والسعي لتحقيق رواتب التعاقد لهم ، أو ترتيب شيء من الحماية والضمان من خلال التأمين التكافلي كل ذلك جزءٌ من الأخذ بالأسباب التي أمرنا الله تعالى بها ، وأنه من قدر الله ، كما أن الموت من قدر الله ، وبالتالي فليس فيه ما يتعارض مع الإيمان بالقضاء والقدر ، وإنما المهم هو أن تكون تلك العقود والوثائق المنتظمة لهذه العملية مشروعةً، لا تتعارض مع النصوص الشرعية والمبادئ العامة للدين الحنيف الذي جعل الله من أهم دعائمه التعاون على البر والتقوى.] القرة داغي بتصرف تاسعاً: [ إن الهدف الأساسي للتأمين التكافلي هو تجنب محظورات التأمين التجاري ، وفي نفس الوقت الوصول إلى صيغٍ تكون فيها خدمة المؤَمّنين مساوية لشركات التأمين التجاري أو أفضل منها من بعض الوجوه، وبخاصة إذا كانت شركة المضاربة لها نشاطٌ تجاريٌ غير التأمين في البلاد التي تسمح قوانينها بذلك. ويتميز التأمين التكافلي أساساً بأن الاشتراكات أو الأقساط التي يدفعها المؤمَّن لهم قد تكون متغيرة حسب نتائج أعمال كل سنة، فللهيئة الحقُ في مطالبة أعضائها بأنصبتهم في العجز في الاشتراكات المحصلة عن التعويضات والمصروفات الفعلية، كما أن للأعضاء الحق في استرداد الفائض إن وجد. وقد يكون ذلك من حيث المبدأ فقط بدفع نسبةٍ مقدرةٍ فقط تمثل الحدَّ الأقصى المقدر للاشتراك، أو أن يتم دفع اشتراكٍ ثابتٍ فعلاً، لتتماشى والطريقة المثلى في الشرع ، إلا أنهم في الواقع وفي الغالب إنما يدفعون قسطاً ثابتاً.] التأمين التعاوني والتأمين التجاري وخلاصة الأمر أن التأمين التقليدي عقدٌ باطلٌ ومحرمٌ شرعاً بكافة أشكاله،لاشتماله على الغرر المفسد للعقد،ولاشتماله على الربا وعلى المقامرة،ولاشتماله على شروطٍ باطلةٍ،وأن التأمين الإسلامي أو التكافلي أو التعاوني جائزٌ وفقاً للضوابط الشرعية،وقد أفتى بجوازه عددٌ كبيرٌ من علماء العصر،وعددٌ من المجامع الفقهية،والهيئاتُ العلميةُ الشرعيةُ وأن التأمين الإسلامي نوعان:تأمينٌ على الأشياء من المخاطر والأضرار وتأمينٌ على الأشخاص وأن التأمين العائلي التكافلي،هو البديل الشرعي للتأمين على الحياة التجاري،وهو مشروعٌ حيث إنه يدخل تحت الأدلة العامة التي أجازت أصله،وهو التأمين الإسلامي أو التكافلي أو التعاوني وأن الظن بأن فكرة التأمين على الحياة تصادمُ عقيدةَ القضاء والقدر،وتصادمُ عقيدةَ التوكل على الله عز وجل، ظنُّ غيرُ صحيحٍ. والله الهادي إلى سواء السبيل
حكمُ الجمعٍ بين الصلاتين بدون إذن الإمام الراتب 16/01/2015 في العبادات, قـسـم الـمـقـــالات يقول السائل:بعد انتهاء صلاة المغرب في المسجد،طلب بعضُ المصلين من الإمام أن يجمع بين الصلاتين بحجة أن الجو باردٌ،فقال إمامُ المسجد لا يوجد عذرٌ يجيزُ الجمع، فقام أحدُ المصلين بإقامة الصلاة، وتقدم وأمَّ بالمصلين صلاة العشاء بدون إذن الإمام الراتب،فما قولكم في ذلك،أفيدونا؟ الجواب: أولاً: كثيرٌ من المصلين لا يدركون مكانةَ إمام المسجد ومسؤوليته،فإمامُ المسجد هو الذي يقود المصلين في المسجد، والمأمومون تابعون له،وليس هو تابعاً لهم،قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه) رواه البخاري ومسلم. قال الحافظ ابن حجر العسقلاني:[قوله:(إنما جعل الإمام ليؤتم به) قال البيضاوي وغيره: الائتمام الإقتداء والإتباع أي جعل الإمام إماماً ليقتدى به ويتبع, ومن شأن التابع أن لا يسبق متبوعه ولا يساويه ولا يتقدم عليه في موقفه, بل يراقب أحواله ويأتي على أثره بنحو فعله, ومقتضى ذلك أن لا يخالفه في شيء من الأحوال] فتح الباري 2/231. لذا فإن إمامة الصلاة تعتبر من خيرة الأعمال التي ينبغي أن يتولاها خيرةُ الناس، ذوو الصفات الفاضلة من العلم والقراءة والعدالة، قال الإمام أحمد:[ومن الحقِّ الواجب على المسلمين:أن يُقدِّموا خيارهم وأهل الدين والأفضل منهم،أهل العلم بالله الذين يخافون الله ويراقبونه] رسالة الإمام أحمد في الصلاة ص14. وقال الإمام السرخسي:[والأصل فيه: أنَّ مكانة الإمامة ميراث من النبي صلى الله عليه وسلم،فإنه أول من تقدَّم للإمامة، فَيُختار لها مَن يكون أشبه به خَلْقاً وخُلُقاً، ثم هو مكان استُنبط منه الخلافة،فإنَّ النبي صلى الله عليه وسلم لَمَّا أمر أبا بكر رضي الله عنه أنْ يُصلي بالناس، قالت الصحابة رضي الله عنهم بعد موته صلى الله عليه وسلم:إنه اختار أبا بكر لأمر دينكم، فهو المُختار لأمر دنياكم، فإنما يختار لهذا المكان من هو أعظم في الناس] المبسوط 1/40. وقال الإمام الماوردي:[ينبغي أن يَتقدَّم إلى الإمامة مَنْ جَمَعَ أوصافها،وهي خمسة:القراءة، والفقه، والنسب، والسنّ،والهجرة، بعد صحَّة الدين وحسن الاعتقاد، فمَنْ جمعها وكملت فيه، فهو أحقُّ بالإمامة ممَّن أخلَّ ببعضها، لأنَّ الإمامة منزلة اتباع واقتداء، فاقتضى أن يكون متحمِّلها كامل الأوصاف المعتبرة فيها، فإن لم تجتمع في واحدٍ، فأحقُّهم بالإمامة من اختصَّ بأفضلها] الحاوي الكبير 2/352 والأصل في الأحق بالإمامة ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله،فإن كانوا في القراءة سواء، فأعلمهم بالسنة،فإن كانوا في السنة سواء، فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء، فأقدمهم سلماً، ولا يؤمنَّ الرجلُ الرجلَ في سلطانه، ولا يقعد في بيته على تكرمته إلا بإذنه) رواه مسلم. وعن أبي سعيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا كانوا ثلاثة فليؤمهم أحدهم، وأحقهم بالإمامة أقرؤهم) رواه مسلم. قال العلماء:الأقرأ هو الأحسن تلاوة وقراءة أو الأكثر قراءة وحفظاً. ومن العلماء من قال الأقرأ هو الأفقه كما روى ابن أبي شيبة عن عطاء قال:”يؤم القوم أفقههم“ انظر شرح النووي على صحيح مسلم 2/301 . ثانياً: الأصل المقرر عند أهل العلم أنه لا تجوز إقامة صلاة جماعةٍ في المسجد الذي له إمام راتب إلا بإذنه،والإمام الراتب[هو الذي رتَّبه السلطانُ،أو نائبه،أو الواقف،أو جماعة من المسلمين،والإمام الراتب يُقدَّم في إمامة الصلاة على غيره من الحاضرين،وإن اختصَّ غيرهُ بفضيلةٍ،كأن يكون أعلم منه أو أقرأ منه] الموسوعة الفقهية الكويتية 22/4. ولا يجوز لأحدٍ أن يفتات على الإمام الراتب .والافتيات هو الاستبداد بالرأي،والسبق بفعلٍ شيء دون استئذان من يجب استئذانه،أو من هو أحقُ منه بالأمر فيه،والتعدي على حق من هو أولى منه. الموسوعة الفقهية الكويتية 5/280. والمقصود بالافتيات هنا التعدي على حق الإمام الراتب بأن تقام صلاة جماعةٍ وجمعٍ بين الصلاتين،بدون إذن الإمام الراتب،لأن ذلك يعتبر تعدياً على حق الإمام الراتب،ومخالفةً لنظام المسجد،وباباً من أبواب الفوضى،وتفريقاً لأهل المسجد واختلافهم، وقد ورد في الحديث عن أبي مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ولا يؤُمنَّ الرجلُ الرجلَ في سلطانه،ولا يقعد في بيته على تَكْرِمَته إلا بإذنه) رواه مسلم. والتَكْرِمَتةُ هي الفراش الخاص بصاحب المنزل. قال الإمام النووي:[قوله صلى الله عليه وسلم:(ولا يؤمنَّ الرجلُ الرجلَ في سلطانه)، معناه:ما ذكره أصحابنا وغيرهم:أن صاحب البيت والمجلس وإمام المسجد أحقُ من غيره،وإن كان ذلك الغير أفقه وأقرأ وأورع وأفضل منه،وصاحب المكان أحق فإن شاء تقدم،وإن شاء قدَّم من يريده،وإن كان ذلك الذي يقدمه مفضولاً بالنسبة إلى باقي الحاضرين;لأنه سلطانه فيتصرف فيه كيف شاء] شرح النووي على صحيح مسلم 2/302. وقال الطيبي:[أي لا يؤم الرجلُ الرجلَ في سلطانه ومحل ولايته أو فيما يملكه أو في محلٍ يكون في حكمه…وتحريره أن الجماعة شُرعت لاجتماع المؤمنين على الطاعة وتألفهم وتوادهم،فإذا أمَّ الرجلُ الرجلَ في سلطانه أفضى ذلك إلى توهين أمر السلطنة وخلع ربقة الطاعة،وكذلك إذا أمَّه في أهله أدى ذلك إلى التباغض والتقاطع وظهور الخلاف الذي شرع لرفعه الاجتماع، فلا يتقدم الرجلُ على ذي السلطنة لاسيما في الأعياد والجمعات،على إمام الحي ورب البيت إلا بالإذن] مشكاة المصابيح 4/95. وقد أخذ أهل العلم من هذا الحديث أنه لا ينبغي لأحدٍ أن يفتات على إمام المسجد الراتب،فيقيم جماعةً بدون إذن الإمام الراتب،قال الشيخ ابن قدامة المقدسي:[وإمام المسجد الراتب أولى من غيره،لأنه في معنى صاحب البيت والسلطان،وقد روي عن ابن عمر أنه أتى أرضاً له‏،وعندها مسجد يُصلي فيه مولىً لابن عمر،فصلى معهم،فسألوه أن يصلي بهم‏،‏فأبى وقال‏:‏صاحب المسجد أحق.ولأنه داخل في قوله‏:‏‏صلى الله عليه وسلم:(‏من زار قوماً فلا يؤمهم)] المغني 2/151. ثالثاً: إذا افتات أحدٌ على الإمام الراتب،وأُقيمت جماعةٌ بدون إذنه،فمن أقامها يدور عمله بين التحريم وبين الكراهة، على الخلاف بين الفقهاء،فقال الحنابلة بتحريم ذلك،وقال الحنفية والشافعية والمالكية بكراهته.ومن أهل العلم من قال ببطلان تلك الصلاة،ومنهم من قال بإجزائها مع الإثم،وهو الذي أميل إليه وأختاره،بشرط أن يكون سبب الجمع بين الصلاتين موجوداً حقيقةً.وأما إن لم يكن عذرُ الجمع موجوداً فعلاً،فتكون الصلاة الثانية- العشاء – باطلةً،لأنه جمعٌ بدون سببٍ. قال ابن مفلح المقدسي الحنبلي:[تحرم الإمامةُ بمسجدٍ له إمامٌ راتبٌ إلا بإذنه،قال أحمد:ليس لهم ذلك. وقال في الخلاف:فقد كره ذلك،قال في الكافي:إلا مع غَيْبَةٍ،والأشهر لا،إلا مع تأخره وضيق الوقت.ويراسل إن تأخر عن وقته المعتاد مع قربه وعدم المشقة.أو لم يظن حضوره،أو ظن ولا يكره ذلك.وإن بعد صلوا،وحيث حرم فظاهره لا تصح. وفي الرعاية لا يؤم،فإن فعل صح ويكره،ويحتمل البطلان للنهي] الفروع1/581. وقال الشيخ العلامة محمد العثيمين في شرح قول صاحب زاد المستقنع [ويحرم أن يؤم في مسجد قبل إمامه الراتب]أي:إذا كان المسجد له إمامٌ راتب،أي:مُولًّى مِن قِبَلِ المسؤولين،أو مُولًّى مِن قِبَلِ أهلِ الحَيِّ جيران المسجد،فإنَّه أحقُّ الناس بإمامتِهِ،لقولِ النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ في سُلطانه) ومعلومٌ أنَّ إمامَ المسجدِ سلطانُه،والنهيُ هنا للتحريمِ،فلا يجوزُ للإنسان أن يؤمَّ في مسجدٍ له إمامٌ راتبٌ إلا بإذن الإمام أو عُذره.وكما أن هذا مقتضى الحديث،فهو مقتضى القواعد الشرعية؛لأنه لو ساغ له أن يؤمَّ في مسجد له إمام راتب بدون إذنه أو عذره؛لأدَّى ذلك إلى الفوضى والنزاع.قوله:(إلا بإذنه)أي:إلَّا إذا وَكَّلَهُ توكيلاً خاصاً أو توكيلاً عاماً،فالتوكيل الخاص:أن يقول:يا فلان صَلِّ بالناس،والتوكيل العام أن يقول للجماعة:إذا تأخَّرتُ عن موعدِ الإقامةِ المعتادِ كذا وكذا فصلُّوا.قوله:«أو عذره»العذر مثل:لو عَلِمنا أنَّ إمامَ المسجدِ أصابَه مرضٌ لا يحتمل أن يحضر معه إلى المسجد،فلنا أن نُصلِّيَ،وإنْ لم يأذن. مسألة:لو أنَّ أهلَ المسجدِ قدَّموا شخصاً يصلِّي بهم بدون إذن الإمامِ ولا عذره وصَلَّى بهم فهل تصحُّ الصلاةُ أو لا تصحُّ؟ فالجواب:في هذا لأهلِ العِلمِ قولان: القول الأول:أنَّ الصَّلاة تصحُّ مع الإثم. القول الثاني:أنهم آثمون،ولا تصحُّ صلاتُهم،ويجبُ عليهم أن يُعيدُوها. والرَّاجح القول الأول،لأنَّ تحريمَ الصَّلاةِ بدون إذن الإمام أو عُذره ظاهرٌ من الحديثِ والتعليل،وأما صِحةُ الصلاةِ؛فالأصلُ الصحةُ حتى يقومَ دليلٌ على الفسادِ،وتحريمُ الإمامةِ في مسجدٍ له إمامٌ راتبٌ بلا إذنِهِ أو عذرِهِ لا يستلزمُ عدمَ صحةِ الصلاةِ؛لأنَّ هذا التحريمَ يعودُ إلى معنًى خارجٍ عن الصلاة وهو الافتيات على الإمام،والتقدُّم على حَقِّهِ،فلا ينبغي أن تُبطل به الصلاةُ.] الشرح الممتع4/216- 218. وقال علامة الشام محمد جمال الدين القاسمي تحت عنوان الافتئات على الإمام الراتب:[يوجد في كثير من الجوامع الكبيرة أناس يفتاتون على الإمام الراتب أي يتقدمون بالصلاة جماعة عليه قبل أن تقام له فيختزلون من الجامع ناحية يؤمون بها أناساً على شاكلتهم رغبة في العجلة أو حباً في الانفراد للشهرة. وقد اتفقت الحنابلة والمالكية على تحريم أن يؤم في مسجد قبل إمامه الراتب. قالت الحنابلة إلا بإذنه وإلا فلا تصح صلاته كما في الإقناع وشرحه. وقالت المالكية كره إقامتها قبل الراتب وحرم معه ووجب الخروج عند إقامتها للراتب كما في أقرب المسالك، وكره ذلك الشافعية وأفتى ابن حجر بمنعه بتاتاً، وصرح الإمام الماوردي من الشافعية بتحريم ذلك في مسجد له راتب وكره ذلك الحنفية. ولا يخفى أن ما ينشأ عن هذا الإفتئات من المفاسد يقضي بتحريمه لأنه يؤدي إلى التباغض والتشاجر وتفريق كلمة المسلمين والتشيع والتحزب في العبادة، ولمخالفة أمر السلطان أو نائبه لأنه أذن للراتب فقط. ولاتباع الهوى ومضادة حكمة مشروعية الجماعة من الاتحاد للتآلف والتعارف والتعاون على البر والتقوى فإن في تقسيمها تناكر النفوس وتبديل الأنس وحشة، إلى مفاسد أخرى تنتهي إلى قريب الأربعين مفسدة، وقد جمعت في حظر ذلك رسالة سميتها (إقامة الحجة على المصلي جماعة قبل الإمام الراتب من الكتاب والسنة وأقوال سائر أئمة المذاهب) فليحذر من هذه البدعة الشنيعة هدى الله المفتاتين للإقلاع عنها] إصلاح المساجد عن البدع والعوائد ص 78-79. رابعاً: يكثر في مساجدنا التساهلُ في الجمع بين الصلوات بشكلٍ لافتٍ للنظر،حتى سمعنا عن بعض أئمة المساجد من يجمع للمطر المتوقع حسب نشرة الأحوال الجوية!!ومنهم من يجمع بدون عذرٍ لتأليفِ القلوب كما زعموا،ومنهم من يدَّعي أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع بدون عذرٍ!وهذا محضُ افتراءٍ على رسول الله صلى الله عليه وسلم.ومنهم من يجمع بين الصلاتين مع عدم وجود المطر،أو مع وجود مطر خفيف أو رذاذ أو ريح خفيفة،ومن المصلين من يجمع في بيته منفرداً؟! والواجب على وزارة الأوقاف أن يكون لها دورٌ لوقف هذا التلاعب في فريضة الصلاة،وأن ترشد أئمة المساجد وتبين لها حالات الجمع الصحيحة وتلزمهم بها،حتى تتوقف هذه الفوضى الموجودة في كثير من مساجدنا. ولا بد من التنبيه إلى أن الجمع بين الصلاتين يكون من أجل المحافظة على صلاة الجماعة في المساجد،وليس في البيوت، أو في محل العمل.وأن الجمع يكون لرفع الحرج ودفع المشقة عن المصلين في بيوت الله عز وجل،قال شيخ الإسلام ابن تيمية:[الأحاديث كلها تدل على أنه-صلى الله عليه وسلم-جمع في الوقت الواحد لرفع الحرج عن أمته،فيباح الجمع إذا كان في تركه حرجٌ قد رفعه الله عن الأمة‏] مجموع الفتاوى24/85. ويجب أن يُعلم أن كل من يجمع بين الصلاتين بدون عذرٍ شرعي،فجمعهُ باطلٌ،أي أن صلاته الثانية باطلةٌ،لأنها وقعت في غير وقتها المقدر لها شرعاً،فدخولُ الوقت شرطٌ من شروط صحة الصلاة،والأصل في الصلوات الخمس أن تُصلَّى كل منها في وقتها الشرعي،قال الله تعالى: {إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا} سورة النساء الآية103 .وكذلك فإن من جمع بين الصلاتين بدون عذرٍ شرعي،فقد ارتكب حراماً،بل كبيرةً من كبائر الذنوب،كما نص على ذلك ابن حجر المكي في كتابه الزواجر عن اقتراف الكبائر1/288-289. وخلاصة الأمر أن لإمام المسجد مكانة عظيمة،فإمامُ المسجد هو الذي يقود المصلين،والمأمومون تابعون له،وليس هو تابعاً لهم،وأن الأصل المقرر عند العلماء أنه لا تجوز إقامة صلاة جمعٍ في المسجد الذي له إمامٌ راتبٌ إلا بإذنه،وأنه إذا افتات أحدٌ على الإمام الراتب،وأُقيمت صلاة جمعٍ بدون إذنه،فمن أقامها يدور عمله بين التحريم وبين الكراهة،ومن العلماء من قال ببطلان تلك الصلاة،ومنهم من قال بإجزائها مع الإثم،وهو الذي أميل إليه وأختاره،بشرط أن يكون سبب الجمع بين الصلاتين موجوداً حقيقةً.وأما إن لم يكن عذرُ الجمع موجوداً فعلاً،فتكون الصلاة الثانية باطلةً،لأنه جمعٌ بدون سببٍ. والله الهادي إلى سواء السبيل
مصطلحُ “الإسلام السياسي” مصطلحٌ غربيٌ استشراقيٌ علمانيُ 24/01/2015 في العقيدة يقول السائل:تستعمل وسائلُ الإعلام المختلفة مصطلحَ “الإسلام السياسي”فهل هذا المصطلح صحيحٌ أم ليس كذلك؟ أفيدونا؟ الجواب: أولاً: قال الله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً} سورة المائدة الآية 3 فدينُ الإسلام دينٌ ربانيٌ شاملٌ لمختلف نواحي الحياة،واللهُ جل جلاله هو الذي شرع منهاج الحياة للأمة المسلمة،يقول سبحانه وتعالى: {أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} سورة الأعراف الآية 54 ويقول سبحانه وتعالى: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ} سورة الشورى الآية 21 وقد بينت نصوصُ الكتاب والسنة الأحكامَ الشرعية المتعلقة بجميع جوانب الحياة،كالعقيدة والعبادة والاقتصاد والسياسة وشؤون الحُكم والأخلاق والقيم والقضايا الاجتماعية وغيرها،فدينُ الإسلام لم يترك جانباً من جوانب الحياة دون أن يهتم به وأن يشرع له الأحكام. ثانياً: بناءً على ما سبق من خاصية الشمولية التي يمتاز بها دينُ الإسلام،قرر أهل العلم أن الإسلامَ عقيدةٌ وشريعةٌ،استناداً للأدلة الكثيرة من الكتاب والسنة،فالإسلام أقام بناءه التشريعي على أساس عقيدة التوحيد،فهي الأساس لكل أنظمة الإسلام وتشريعاته،فالنظام الاقتصادي والنظام الاجتماعي والنظام الأخلاقي والنظام السياسي،كلها تقوم على أساس عقيدة التوحيد. ثالثاً: لا شك ولا ريب أن النظامَ السياسي جزءٌ من دين الإسلام،ومن قال بخلاف ذلك فهو جاهلٌ ما عرف الإسلام،فالذين يقولون: “لا سياسة في الدين ولا دينَ في السياسة” ما هم إلا ببغاواتٍ يقلدون ما قالته الحضارة الغربية الحديثة،التي فصلت الدينَ عن السياسة.وقد كان من أوائل من زعم أنه لا سياسةَ في الإسلام،الشيخ علي عبد الرازق،أحد علماء الأزهر،حيث ألَّف كتابه(الإسلام وأصول الحكم)سنة(1925م)،وقد ردَّ عليه عددٌ من العلماء،مثل الشيخ محمد رشيد رضا،والشيخ محمد شاكر،والشيخ محمد الخضر حسين،والشيخ محمد بخيت،والشيخ محمد الطاهر بن عاشور وغيرهم.وقد حاكمته هيئة كبار العلماء في الأزهر برئاسة الشيخ محمد أبو الفضل شيخ الجامع الأزهر،وعضوية أربعة وعشرين عالماً من كبار العلماء،وحكمت بإخراجه من زمرة العلماء،ومن ثم تمَّ فصله من القضاء الشرعي حيث كان قاضياً.انظر مقدمة في فقه النظام السياسي الإسلامي ص3.وقال العلامة ابن باز:[ومن زعم فصلَ الدين عن الدولة،وأن الدينَ محلهُ المساجد والبيوت،وأن للدولة أن تفعل ما تشاء وتحكم بما تشاء،فقد أعظم على الله الفرية,وكذب على الله ورسوله،وغلط أقبح الغلط,بل هذا كفرٌ وضلالٌ بعيدٌ]وقال الشيخ العثيمين:[ومن فصلَ الدين عن السياسة فقد ضلَّ]وقالت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء السعودية:[ما يسمَّى بالعلمانية التي هي دعوةٌ إلى فصل الدين عن الدولة،والاكتفاء من الدين بأمور العبادات،وترك ما سوى ذلك من المعاملات وغيرها،والاعتراف بما يسمى بالحرية الدينية،فمن أراد أن يدين بالإسلام فعل،ومن أراد أن يرتدَّ فيسلك غيره من المذاهب والنِّحَل الباطلة فعل،فهذه وغيرها من معتقداتها الفاسدة دعوةٌ فاجرةٌ كافرةٌ،يجب التحذيرُ منها وكشفُ زيفها،وبيان خطرها والحذر مما يلبسها به من فُتنوا بها،فإن شرها عظيم وخطرها جسيم]ولا شك أن العلمانيين هم أكثر ما يرددون هذه المقولة الباطلة،والعلمانيةُ فكرة غربيةٌ خبيثةٌ،وفدت إلى ديار الإسلام،[فالعلمانيةSECULARISMوترجمتها الصحيحة:اللادينية أو الدنيوية،وهي دعوةٌ إلى إقامة الحياة على العلم الوضعي والعقل،ومراعاة المصلحة بعيداً عن الدين.وتعني في جانبها السياسي بالذات اللادينية في الحكم،وهي اصطلاحٌ لا صلة له بكلمة العلم SCIENCE،وقد ظهرت في أوروبا منذ القرن السابع عشر،وانتقلت إلى الشرق في بداية القرن التاسع عشر،وانتقلت بشكلٍ أساسي إلى مصر وتركيا وإيران ولبنان وسوريا ثم تونس ولحقتها العراق في نهاية القرن التاسع عشر.أما بقية الدول العربية فقد انتقلت إليها في القرن العشرين،وقد اختيرت كلمةُ علمانية،لأنها أقلُّ إثارةً من كلمة لا دينية.ومدلول العلمانية المتفق عليه يعني عزلَ الدين عن الدولة وحياة المجتمع،وإبقاءه حبيساً في ضمير الفرد لا يتجاوز العلاقة الخاصة بينه وبين ربه،فإن سُمحَ له بالتعبير عن نفسه،ففي الشعائر التعبدية،والمراسم المتعلقة بالزواج والوفاة ونحوهما.تتفق العلمانية مع الديانة النصرانية في فصل الدين عن الدولة،حيث لقيصر سلطة الدولة،ولله سلطة الكنيسة.وهذا واضح فيما يُنسب إلى السيد المسيح عليه السلام من قوله:(أعط ما لقيصر لقيصر وما لله لله).أما الإسلام فلا يعرف هذه الثنائية،والمسلم كله لله وحياته كلها لله {قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} سورة الأنعام الآية 162 ومن أهم أفكار ومعتقدات العلمانية ما يلي:يُنكر بعض العلمانيين وجود الله أصلاً.وبعضهم يؤمنون بوجود الله،لكنهم يعتقدون بعدم وجود أية علاقة بين الله وبين حياة الإنسان.إقامة حاجزٍ سميكٍ بين عالمي الروح والمادة،والقيمُ الروحية لديهم قيمٌ سلبيةٌ.ومن أهم أفكار العلمانية،فكرة فصل الدين عن السياسة وإقامة الحياة على أساسٍ مادي،واعتماد مبدأ الميكيافيلية في فلسفة الحكم والسياسة والأخلاق.نشر الإباحية والفوضى الأخلاقية،وتهديم كيان الأسرة باعتبارها النواة الأولى في البنية الإجتماعية.ومن معتقدات العلمانية في العالم الإسلامي والعربي التي انتشرت بفضل الاستعمار والتبشير ما يلي:الطعنُ في حقيقة الإسلام والقرآن والنبوة.الزعمُ بأن الإسلام استنفذ أغراضه،وهو عبارةٌ عن طقوس وشعائر روحية.الزعمُ بأن الفقه الإسلامي مأخوذ عن القانون الروماني.الزعمُ بأن الإسلام لا يتلاءم مع الحضارة ويدعو إلى التخلف.الدعوةُ إلى تحرير المرأة وفق الأسلوب الغربي.تشويهُ الحضارة الإسلامية وتضخيم حجم الحركات الهدامة في التاريخ الإسلامي،والزعمُ بأنها حركات إصلاح.الدعوةُ إلى إحياء الحضارات القديمة.اقتباسُ الأنظمة والمناهج اللادينية عن الغرب،ومحاكاته فيها.تربيةُ الأجيال تربيةً لا دينية.وغير ذلك من الأفكار المنحرفة،فالعلمانية دعوةٌ إلى إقامة الحياة على أسس العلم الوضعي والعقل بعيداً عن الدين الذي يتم فصله عن الدولة وحياة المجتمع وحبسه في ضمير الفرد ولا يصرح بالتعبير عنه إلاَّ في أضيق الحدود] الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب المعاصرة رابعاً: لا شك أن فصل السياسة عن دين الإسلام،أمرٌ جدُّ خطيرٍ،وهي فكرةٌ علمانيةٌ خبيثةٌ كما سبق،لا يقرها الإسلامُ بحالٍ من الأحوال،فدينُ الإسلام شاملٌ لأمور الآخرة والدنيا،فكما أن العبادات جزءٌ من الإسلام،فكذا النظام السياسي وما يتعلق به جزءٌ من الإسلام،ولا يصح أن نرجع في عبادتنا للإسلام،ولا نرجع إليه في السياسة،فالإسلام شاملٌ كاملٌ،وهو منهاج حياة للأمة الإسلامية في كل شؤونها،فالسياسةُ جزءٌ من الدين،والدينُ حاكمٌ عليها،فالإسلامُ دينٌ ودولةٌ،عقيدةٌ وشريعةٌ،فهو منهجٌ متكاملٌ للحياة من حيث التصور،ومن حيث التصرف،يضبط العلاقة بين الناس على اختلاف توجهاتهم،كما يضبط العلاقة بينهم وبين ربهم. إسلام ويب وقد وردت عشراتُ النصوص من الكتاب والسنة التي تؤصلُ للنظام السياسي في الإسلام،ومنها: قال تعالى: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ} سورة المائدة الآية 48. وقال تعالى: {أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} سورة الأعراف الآية 54 وقال تعالى: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً} سورة النساء الآية 65 وقال تعالى: {وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللّهُ إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ} سورة المائدة الآية 49. وقال تعالى: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} سورة المائدة الآية 44 وقال تعالى: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} سورة المائدة الآية 45 وقال تعالى: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} سورة المائدة الآية 47 وقال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} سورة النساء الآيتان 58-59. وقال تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلاَ تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا} سورة النساء الآية 105. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لَتُنتقضنَّ عُرى الإسلام عُروةً عُروةً،فكلما انتقضت عُروةٌ تشبَّث الناسُ بالتي تليها،فأولهن نقضاً الحكم،وآخرهن الصلاة) رواه أحمد وابن حبان والحاكم في المستدرك،وقال صحيح الإسناد.وصححه العلامة الألباني.وغير ذلك من عشرات الأحاديث الصحيحة الواردة في السياسة والحكم. خامساً: مصطلحُ “الإسلام السياسي”مصطلحٌ غربيٌ استشراقيٌ علمانيٌ،والفكرةُ الأساسية التي يستندُ إليها هي فصلُ الدين عن الحياة،وهي من أهم أسس العلمانية.وقد أبطل كثيرٌ من علماء الإسلام مصطلحَ “الإسلام السياسي”ورفضوه،[لأنه مصطلحٌ ناشئٌ أصلاً عن الجهل بالإسلام،الذي جاء بالعقيدة والشريعة،خلافاً للمسيحية التي جاءت بالعقيدة فقط،ونادت بإعطاء ما لله لله، وما لقيصر لقيصر.إنك حين تُجرِّد الإسلامَ من بُعدهِ التشريعي،لا يبقى إسلاماً،وإنما يتحوّل إلى شيءٍ آخر.إن الإسلام دينٌ شاملٌ لكل جوانب الحياة:السياسية والاجتماعية والاقتصادية…فليس هناك إسلامٌ سياسيٌّ،وإسلامٌ اقتصادي،وإسلامٌ اجتماعي..بل هو إسلامٌ واحد،شاملٌ لكلّ جوانب الحياة][هذا المصطلحُ يحملُ تشويهاً كبيراً للمقاصد الشرعية من العمل السياسي،وقد يُعطي إيحاءً بأن هناك إسلاماً سياسياً وآخر دعوي وآخر خيري وهكذا،بينما الإسلامُ واحدٌ،وهو دينٌ شاملٌ لا يتجزأ لكل مناحي الحياة،ولم يكن المسلمون يفصلون بين العمل السياسي والدعوة في يوم من الأيام،بل كانت جميعها كُلاً متكاملاً.هذا المصطلح”الإسلام السياسي”نتج في جملة ما نتج عنه عن الميول التجريدية،التي تُركز على فهم الإسلام كدينِ عبادةٍ وتكاليف عبادية،أكثر من كونه نظاماً سياسياً وتنظيمياً للدولة واجتماعياً،أي أن النظرة صارت تُشدد على الدين والمعتقد،أكثر من النظام والنهج والكيانية الإسلامية المنشودة][عبارةُ”الإسلام السياسي”كأختها”الأصولية”صناعةٌ غربيةٌ استوردها مستهلكو قبائح الفكر الغربي إلى بلادنا وفرحوا بها،وجعلوها حيلةً يحتالون بها على إنكارهم للدين والصدِّ عنه] ثقافة التلبيس [مصطلح”الإسلام السياسي”في لفظه وواقعه:تصنيف للإسلام ذاته لا للإسلاميين فحسب كما قد يقال،وهو تصنيفٌ ينطلق من خلفية الفكر العلماني المناقض للإسلام عقيدةً وشريعةً؛ويُقصد من ترويجه وتطبيعه،دعمُ الخطاب العلماني المتطرف في إقصاء شريعة الإسلام،وتنفير الشعوب المسلمة منها،ومن دعاة تطبيقها]وقال الشيخ د.صالح بن حميد رئيس مجلس الشورى وإمام الحرم المكي:[“الإسلام السياسي” تسميةٌ خاطئةٌ،ومصطلحٌ لا وجود له في الإسلام ألبتة؛فالإسلام عقيدةٌ وعبادةٌ وسياسةٌ واقتصادٌ واجتماعٌ وثقافةٌ إلخ][وقد تفرَّع عن مصطلح”الإسلام السياسي”عبارةٌ إعلامية،يرددها الإعلام المروج للعلمانية،وهي عبارة “قوى الإسلام السياسي”؛فهي عبارةٌ مؤدلجةٌ علمانياً،ابتدعها خصوم الإسلام ذاته،ممن يطمعون في حصره داخل إطار المسجد الرسمي؛وإقصائه عن البرلمان،ومؤسسات إعداد الدساتير،وإصدار القوانين] تغريدات حول مصطلح “الإسلام السياسي”!الله الهادي إلى سواء السبيل وخلاصة الأمر أن دينَ الإسلام دينٌ ربانيٌ شاملٌ لمختلف نواحي الحياة،وأن الإسلامَ عقيدةٌ وشريعةٌ،وأن النظامَ السياسي جزءٌ من دين الإسلام،وأن فصلَ السياسة عن دين الإسلام فكرةٌ علمانيةٌ خبيثةٌ،وأن ذلك كفرٌ وضلالٌ بعيدٌ،وأن مصطلحَ “الإسلام السياسي”مصطلحٌ علمانيٌ غربيُ الصناعة،استورده العلمانيون العرب،وروَّجت له وسائلُ إعلام الضلال،والفكرةُ الأساسية التي يستندُ إليها هي فصلُ الدين عن الحياة،وهي من أهم أسس العلمانية.وقد أبطله كثيرٌ من علماء الإسلام ورفضوه،لمناقضته لمبادئ الإسلام المتفق عليها،وهو مناقضٌ للمعلوم من دين الإسلام بالضرورة. و.
السِّعرُ الذي تُقوَّمُ به السِّلعُ التجاريَّةُ عند إخراجِ الزَّكاة 23/06/2017 في الزكاة, قـسـم الـمـقـــالات يقول السائل: كيف يُقَوِّمُ التاجرُ مخزونه من السلع التجارية عند احتساب الزكاة فيها، أفيدونا ؟ الجواب: أولاً: الزكاة واجبة في عروض التجارة – السِّلع التجاريَّة -على الصحيح من أقوال أهل العلم لعموم الأدلة التي أوجبت الزكاة في الأموال، ولا شك أن عروض التجارة داخلة في هذا العموم دخولاً أولياً كقوله تعالى:{خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} سورة التوبة الآية 103. وقوله تعالى:{وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ} سورة الذاريات الآية 19. وقوله تعالى:{يَا أيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ} سورة البقرة الآية267. ويدل على ذلك ما ورد في الحديث عن سمرة بن جندب رضي الله عنه قال:(كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا أن نخرج الصدقة مما يُعَدُّ للبيع) رواه أبو داود والدارقطني واختلف في سنده وحسنه ابن عبد البر. وعن أبي ذر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:( فِي الْإِبِل صَدَقَتهَا ، وَفِي الْغَنَم صَدَقَتهَا ، وَفِي الْبَقَر صَدَقَتهَا ، وَفِي الْبَزِّ صَدَقَته). قال الإمام النووي:[هذا الحديث رواه الدارقطني في سننه والحاكم أبو عبد الله في المستدرك والبيهقي بأسانيدهم ذكره الحاكم بإسنادين ثم قال: هذان الإسنادان صحيحان على شرط البخاري ومسلم] المجموع 6/47. والْبَزُّ المذكور في الحديث هو الثياب، ومنه البزاز، لمن يعمل في تجارة الثياب. انظر المصباح المنير ص 47-48. وقال الإمام النووي:[والصواب الجزم بالوجوب – أي وجوب الزكاة في عروض التجارة- وبه قال جماهير العلماء من الصحابة والتابعين والفقهاء بعدهم أجمعين قال ابن المنذر: أجمع عامة أهل العلم على وجوب زكاة التجارة ،قال رويناه عن عمر بن الخطاب وابن عباس والفقهاء السبعة، سعيد بن المسيب والقاسم بن محمد وعروة بن الزبير وأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث وخارجة بن زيد وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة وسلمان بن يسار والحسن البصري وطاووس وجابر بن زيد وميمون بن مهران والنخعي ومالك والثوري والأوزاعي والشافعي والنعمان – أبو حنيفة – وأصحابه وأحمد واسحق وأبي ثور وأبي عبيد…] المجموع 6/47. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية:[وأما العروض التي للتجارة ففيها الزكاة وقال ابن المنذر: أجمع أهل العلم أن في العروض التي يُراد بها التجارة الزكاة إذا حال عليها الحول: روي ذلك عن عمر وابنه وابن عباس وبه قال الفقهاء السبعة والحسن وجابر بن زيد وميمون بن مهران وطاووس والنخعي والثوري والأوزاعي وأبو حنيفة وأحمد وإسحاق وأبو عبيد. وحُكي عن مالك وداود: لا زكاة فيها. وفي سنن أبي داود عن سمرة قال:(كان النبي صلى الله عليه وسلم يأمرنا أن نخرج الزكاة مما نُعده للبيع). وروي عن حماس قال: مرَّ بي عمر فقال: أدِّ زكاة مالك، فقلت: مالي إلا جِعاب وأُدُم، فقال قومها ثم أدِّ زكاتها. واشتهرت القصة بلا منكرٍ فهي إجماع.] مجموع فتاوى شيخ الإسلام 25/15-16. والجعاب جمع جعبة وهي وعاء توضع فيه السهام. انظر المصباح المنير ص 102. والأُدُم جمع أديم وهو الجلد المدبوغ. انظر المصباح المنير ص 9. وينبغي أن يُعلم أن ما ذهب إليه العلامة الألباني من عدم وجوب الزكاة في عروض التجارة، فقول شاذٌ مخالفٌ لما قرره جماهير علماء الإسلام، استناداً إلى أدلة عامة من كتاب الله عز وجل وأخرى خاصة من الأحاديث والآثار والإجماع والقياس. قال شيخ الإسلام ابن تيمية:[والأئمة الأربعة وسائر الأمة ـ إلا من شذ ـ متفقون على وجوبها في عرض التجارة، سواء كان التاجر مقيماً أو مسافراً، وسواء كان متربصاً ـ وهو الذي يشتري التجارة وقت رخصها ويدخرها إلى وقت ارتفاع السعر ـ أو مديراً كالتجار الذين في الحوانيت، سواء كانت التجارة بَزاً من جديد، أو لبيساً، أو طعاماً من قوت أو فاكهة، أو أدم أو غير ذلك، أو كانت آنية كالفخار ونحوه، أو حيواناً من رقيق أو خيل، أو بغال، أو حمير، أو غنم معلوفة، أو غير ذلك، فالتجارات هي أغلب أموال أهل الأمصار الباطنة، كما أن الحيوانات الماشية هي أغلب الأموال الظاهرة‏] مجموع الفتاوى 25/45. ثانياً: إذا حلَّ الشهرُ الذي يؤدي التاجر فيه زكاة أمواله، فإنه يقوم بحصر أمواله من التجارة، والتي تشمل البضائع الموجودة لديه والتي لم تُبع بعد، وكذلك أمواله النقدية، وماله من ديون على الناس، إذا كانت مضمونة، ويخصم ما عليه من ديونٍ حالَّةٍ، ثم يخرج زكاة الباقي بنسبة 2.5% أي ربع العشر. وينبغي التنبيه على أن الأجهزة والمعدات لا تدخل في الزكاة، مثلاً إذا كانت لديه ثلاجات أو خزائن أو مبنى أو سيارة لخدمة المحل أو نحو ذلك، فلا تحسب من ضمن مال الزكاة، وإنما الزكاة على الأموال المعدة للبيع؛ لما سبق في حديث عن سمرة بن جندب قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا أن نخرج الصدقة مما يُعدُّ للبيع).
ثالثاً: لا بدَّ لكل تاجرٍ من أن يُقَوِّمَ البضائع الموجودة لديه والمعدة للبيع حتى يستطيع أن يعرف قيمتها بالنقود، ولا بدَّ أن يكون التقويم بالنقود المتداولة، لأن الأصل في إخراج زكاة السلع التجارية ومعرفة النصاب فيها هو تقديرها بقيمتها من الذهب والفضة، وفي زماننا تقدر بسعر الذهب فقط ،ولا تقدر بالفضة لفقدانها معظم قيمتها، وأما الذهب فقد حافظ على قيمته على مرِّ الأزمان بشكلٍ عامٍ، والمعتبر اليوم في النصاب هو 85 غراماً من الذهب ومقدار ذلك بالعملة المتداولة. [وحقيقة تقويم السلع التجارية هي: تثمين البضائع المنقولة التي تُعدّ للبيع بقصد الربح بما يعادلها من النقد؛ لأداء زكاتها.] بحث تقويم السلع التجارية لإخراج الزكاة. وقد اختلف الفقهاء في كيفية تقويم السلع التجارية، قال ابن رشد:[وقال الجمهور، الشافعي وأبوحنيفة وأحمد والثوري والأوزاعي وغيرهم…أنه من اشترى عرضاً للتجارة فحال عليه الحول قوَّمه وزكاه. وقال قوم: بل يزكي ثمنه الذي ابتاعه به لا قيمته]بداية المجتهد 1/260. والمقصود بقول الجمهور أن التقويم يكون بالسعر الحاضر للسلعة، أي سعر السوق يوم التقويم بمعنى سعر بيعها، ورد عن جابر بن زيد من التابعين في عَرَضٍ يُراد به التجارة قال:[ قوِّمه بنحو من ثمنه يوم حلّت فيه الزكاة، ثم أخْرِج زكاته ]الأموال لأبي عبيد ص426. وعلى هذا القول كثير من فقهاء العصر. وبعد البحث والتدقيق في هذه المسألة تبين لي أن القولَ الراجحَ في كيفية تقويم السلع هو اعتبار سعر السوق، بمعنى ما تساويه السلعةُ في السوق، أي لو أراد التاجر أن يشتري تلك السلعة، فبكم يشتريها من السوق ، وليس المراد بسعر السوق الثمنُ الذي سيبيع به التاجر. قال د. هاني الجبير:[والقيمة هي ما تساويه السلعة في السوق، فليس هو سعر الشراء، ولا الثمن الذي سيبيع به التاجر، ولا القيمة التي حددها لسلعته. فقد يعرض التاجر سلعةً بماله وقد اشتراها بأكثر من ذلك أو أقل، ثم يبيعها بمثل ما عرضها أو أقل أو أكثر، والعبرةُ عند إخراج الزكاة تحديد القيمة التي تسويها السلعة في السوق دون نظر الشراء للبيع ولا للسعر الذي عرضت به.هذا هو المشهور عند أهل العلم] http://www.islamtoday.net/fatawa/quesshow-60-199977.htm وورد في فتاوى مركز الفتوى على موقع إسلام ويب ما يلي: [المعتبر في التقويم هو سعرُ البضاعة في السوق يوم الزكاة، وأنه لا يُنظر إلى سعر الشراء، وذلك لأن سعر الشراء وإن كان منضبطاً إلا أن الأسعار متغيرةٌ صعوداً وهبوطاً، ولو افترضنا أن الأسعار نزلت واعتبرنا قيمة الشراء لأدى ذلك إلى الإضرار بالتاجر، فكان العدل هو اعتبار قيمة البضاعة بسعر السوق يوم الأداء، وهذا منضبطٌ أيضاً مع ما فيه من الإرفاق بالتاجر،وعدم الإضرار به إذ لو نزلت البضاعة قومت عليه بسعر السوق لا بسعر الشراء، وهنا ينبغي ملاحظة أن هنالك فرقاً بين سعر السوق، والسعر الذي يعرض به التاجرُ بضاعته للبيع، فالأول منضبطٌ وهو المعتبر، والثاني غير منضبطٍ، وهو غير معتبر، وهذا تمام المصلحة وعين العدل والحكمة] وقال د.محمد الأشقر:[فإن أُخذ بسعر السوق في التقويم فعندي أنه ليس المراد بسعر السوق السعر الذي يمكن للتاجر أن يبيع به سلعته، وإنما المرادُ السعرُ الذي به يستطيع أن يشتري سلعةً مماثلةً تماماً لسلعته، فهذا الذي تتحقق به العدالة ، أما السعرُ الذي يبيع به ، فإن التقويم به يلزم التاجر أن يُدخل في التقويم مبالغَ لم تتحقق في عالم الواقع] أبحاث فقهية في قضايا الزكاة المعاصرة 1/45. رابعاً:إن مما يرجح هذا القول في تقويم السلع التجارية ما يلي: (1)إن الزكاة مفروضة على الأموال التي يملكها المزكي فعلاً ، فإذا قومنا السلع التجارية بالسعر الحاضر، أي السعر الذي ستباع به، فإننا نكون قد أوجبنا الزكاة على مالٍ لم يدخل في ملك التاجر بعد، لأن البضاعة لمَّا تُبع بعد.فهذا ربحٌ متوقعٌ ، لم يدخل على التاجر خلال العام الذي يزكى عنه، والزكاة واجبة على المال الذي يملكه فعلاً، وليست واجبة على مالٍ يتوقع أن يملكه مستقبلاً. وعلى رأي المحاسبين: [التقويم بسعر السوق يؤدي إلى تسجيل الأرباح محاسبياً قبل تحققها بشكل فعلي … أي لأن الربح لا يتحقق إلا إذا تمَّ البيع وتحول العرض فعلاً إلى نقدٍ، وقبل ذلك ليس هناك ربحٌ إلا في الخيال ]أبحاث فقهية في قضايا الزكاة المعاصرة 1/43. (2) الأخذ بهذه الطريقة في التقويم لا يُسقط شيئاً من زكاة أموال التجار، لأنهم سيزكون أرباحهم في العام التالي، فلذا لا يصحُ القول بأن طريقة التقويم هذه تجعلُ الزكاة على رأس المال فقط دون الربح، لأن الربح غير متحققٍ فعلاً حتى تجب الزكاة فيه. قال د. محمد بن صالح حمدي: [اعتماد سعر التكلفة لا يُعفي التاجر من إخراج الزكاة عن الأرباح:إذا ما اعتمدنا سعر التكلفة في تقويم المخزون السلعي، لا يعني ذلك أنَّنا أعفينا التاجرَ من إخراج الزكاة عن الأرباح مـمَّا يخفِّض من القيمة الإجمالية للزكاة، ويُعرِّض مصالح الفقراء للضياع، فإنَّ تلك الأرباح سوف يزكي عنها عندما تتحقَّق فعلاً خلال السنة المقبلة ضمن مبيعاته من سلعٍ جديدةٍ سوف يشتريها، كل ما في الأمر أنَّنا تركناها حتى تُباع فعلاً ويتحقَّق الربح الفعلي. كما أنَّ ذلك يفيد من الناحية المحاسبية في الفصل ما بين الميزانيات للسنوات المختلفة، فلا تحمل الميزانية الحالية أرباحًا غير محقَّقة، فيحصل سوء التقدير كما أنَّها لا تحمل أعباء ومصاريف عن سنوات سابقة أو لاحقة.وإنَّما توزع حسب نظامٍ معروفٍ في الأنظمة المحاسبية، وذلك مـمَّا يؤيد رأي ابن عباس رضي الله عنه في التربص حتى يتم البيع وتُخرج الزكاة] http://www.taddart.org/?p=461 وبهذا يظهر لنا أن هذا القول هو الراجح، وقد رجحه بعض أهل العلم المعاصرين ومنهم د. محمد الأشقر ، د. محمد بن صالح حمدي الذي قال: [ الرأي الراجح عندي:بعد استعراض آراء الفقهاء والمحاسبين وبيان حقيقة سعر السوق أرى أن يقوَّم المنتج في المصنع أو المصدر بسعر تكلفة إنتاجه، والموزعون أي تجار الجملة بسعر التكلفة أي بسعر الشراء من المنتج أو المصدر تضاف إليه تكاليف النقل وما يترتب عنه من أعباء، وكذا تجَّار التجزئة يقوِّمون بسعر التكلفة الذي يشترون به من الموزعين أو تجار الجملة. فتكون القاعدة: أن يقوِّم كلُّ تاجر سلعه بالسعر الذي يستطيع أن يشتري به سلعًا مماثلة تمامًا لسلعه في يوم التقويم، وهو سعر التكلفة بالنسبة إليه، ما لم ينقص سعر السوق عمَّا اشترى به، وإلاَّ فعليه أن يقوِّم بسعر السوق. وهذا الرأي هو ما رآه الدكتور ”محمد سليمان الأشقر“ في كتاب: أبحاث فقهية في قضايا الزكاة المعاصرة.] http://www.taddart.org/?p=461 وخلاصة الأمر: أن الزكاة واجبةٌ في عروض التجارة – السِّلع التجاريَّة -على الصحيح من أقوال أهل العلم لعموم الأدلة التي أوجبت الزكاة في الأموال. وأنه لا يُلتفت إلى ما ذهب إليه العلامة الألباني من عدم وجوب الزكاة في عروض التجارة،لأنه قولٌ شاذٌ مخالفٌ لما قرره جماهير علماء الإسلام. وأن تقويم السلع التجارية هو تثمين البضائع المنقولة التي تُعدُّ للبيع بقصد الربح بما يعادلها من النقد؛ لأداء زكاتها. وأن جمهور الفقهاء قالوا بأن التقويم يكون بالسعر الحاضر للسلعة، أي سعر السوق يوم التقويم بمعنى سعر بيعها. وأن القول الراجح في كيفية تقويم السلع هو اعتبار سعر السوق، بمعنى ما تساويه السلعة في السوق، أي لو أراد التاجر أن يشتري تلك السلعة، فبكم يشتريها من السوق ، وليس المراد بسعر السوق الثمن الذي سيبيع به التاجر.َ وأن مما يرجح هذا القول أن الزكاة مفروضةٌ على الأموال التي يملكها المزكي فعلاً، فإذا قومنا السلع التجارية بالسعر الحاضر، أي السعر الذي ستباع به، فإننا نكون قد أوجبنا الزكاة على مالٍ لم يدخل في ملك التاجر بعد، لأن البضاعة لمَّا تُبع بعد.فهذا ربحٌ متوقع ، لم يدخل على التاجر خلال العام الذي يزكى عنه، والزكاة واجبةٌ على المال الذي يملكه فعلاً، وليست واجبةً على مالٍ يتوقع أن يملكه مستقبلاً. وأن الأخذ بهذه الطريقة في التقويم لا يُسقط شيئاً من زكاة أموال التجار، لأنهم سيزكون أرباحهم في العام التالي، فلذا لا يصح القول بأن طريقة التقويم هذه تجعل الزكاة على رأس المال فقط دون الربح، لأن الربح غير متحقق فعلاً حتى تجب الزكاة فيه. والله الهادي إلى سواء السبيل

Comments